ابن الجوزي
200
بستان الواعظين ورياض السامعين
[ 327 ] وأنشدوا المرء رهن مصائب لا تنتهي * حتى يوارى جسمه في رمسه فمؤخر يلقى الردى في أهله * ومقدم يلقى الردى في نفسه تذكر أيها المغرور أباك وإخوانك ، وتذكر أهلك وجيرانك ، وتذكر أحبابك وأخدانك أين الذين كانوا لك في الدنيا أحبابا ، وفي أيام حياتك أصحابا ؟ صحبتهم وصحبوك ، وذهبوا عنك وتركوك ، وأوحشوا الأهل والأحباب ، وفارقوا القرابة والأصحاب ، قد ضمت أجسادهم المقابر ، وغيرت أبشارهم الحفائر ، وبقيت أرواحهم تنتظر يوما تبلى فيه السرائر فمنهم من يجازى بنعيم وخلود ، ومنهم من يرد النار وبئس الورد المورود ، أين لقمان بن عاد ، أين ثمود وشداد ، أين فرعون ذي الأوتاد ، وأين من طغى في البلاد وأظهر فيها الفساد ، ذهبت واللّه تلك الأجناد ، وصاروا إلى ظلم القبور على غير مهاد ولا وساد . تذكر أيها الغافل أين الملوك الأكابر ، وأين الطغاة الجبابر ، وأين الذين جمعوا الأموال والذخائر ، وقادوا الجيوش والعساكر ، وكانت الخطباء تذكرهم على المنابر حوّلتهم واللّه النوائب إلى الحفائر ، وبقوا مرتهنين بأعمالهم في ظلمات المقابر ، ونزلوا على ما قدموا من ذخائر الأعمال قد قطعت الديدان أوصالهم ، وغير البلاء أحوالهم . قد سالت العيون منهم على الخدود ، وصارت لحومهم قوتا للهوام والدود ، وقسمت من بعد دفنهم في التراب أموالهم ، ونكحت من عدوهم عيالهم وأنشدوا : هل كان قبلك للذات مرتاحا * لو شفه ذكر ذنب قد مضى ناحا للّه عبد جنى ذنبا فأحزنه * فظل حيران يذري الدمع سفاحا فاسفح دموعك عن ذنب أصبت به * فرب دمع جرى للخير مفتاحا ورب عين رآها اللّه باكية * خوف القبور ستلقى الرّوح والرّاحا مستعبر قلق مستيقظ فطن * كأنّ في قلبه للنور مصباحا يا صاحبيّ دعا التسويف ويحكما * واستبدلا بفساد الدين إصلاحا لا تأمنن وقوع الموت إنّ له * لأنفسا من جميع الخلق مجتاحا إن لم يبيتهم ناداهم سحرا * وإن تأخر عن تبكيرهم راحا لا يترك الموت بيتا حشوه فرح * إلّا أعاضهم ذلا وأتراحا أهل القبور أبينوا عن قبوركم * هل تستطيعون لي بالرد إفصاحا